الاستلزام الحواريّ في رسائل الإمام علي ووصاياه في كتاب نهج البلاغة
No Thumbnail Available
Files
Date
2024-10-29
Authors
Journal Title
Journal ISSN
Volume Title
Publisher
Abstract
لم يبق الدّرس اللساني على حاله الذي نشأ عليه على يد السّويسري فرديناند دو سوسير بل تطوّر حتّى وصل إلى يومنا هذا تطوّراً ملفتاً من حيث التّعامل مع النّصّ/الخطاب، أمست دراسة الخطاب هدف الدّرس اللسانيّ الحديث، ولعلّ ما يميّزه اهتمامه بالخطاب بوصفه فعلاً تواصليّاً، فكان الاهتمام به يتأتّى للبحث في مستويات عدّة، تهدف للوصول إلى غاية الخطاب، وقد اعتنت التداولية في مباحثها بكل ما يسهم في إنجاح عملية الاستعمال اللغوي, على نحو يجعل العلامة اللغوية تؤدي مهامها باسترسال واضح يساعد المتلقي على الفهم الصحيح لمقصد المتكلم وغايته ، فكان هناك الاستلزام الحواريّ الذي يعدُّ أحد أبرز فروع التداولية ويمثل إسهاما واضحا في تطور التداولية , وتكمن أهميته في أنَّه يشكَّل نقطة تحول واضحة عن أنواع الاستدلالات الأخرى المسموحة في دراسة كثير من العلوم المبنية على شروط الحقيقة , فعملية التواصل بين المتكلم والمخاطب سواء أكانت لغوية أم غير لغوية تحتاج لكثير من المفاهيم الضمنية والصريحة ؛ لأنَّ هذه معاني الكلمات ربما تكون مشتركة بين طرفي الخطاب ، فقد يخرج بعضها من السؤال إلى الالتماس, فهذه المعاني ليست صريحة دائما بل هناك حالات سياقية تستدعي عدم التصريح والكلام المباشر فيفهم عن طريق التلميح به , الأمر الذي يجعل هذا الفرع يقع في صميم التداوليات , الذي اخذ البحث التداولي اللساني معه منحى متميزا على أساس أنَّ الاهتمام لم يعدّ منصبا على وضع نظريات للخطاب , وإنَّما اخذ يعتني بعملية التخاطب (التحاور) في حد ذاتها.
ويعدّ الاستلزام الحواري لوناً مهمّاً من ألوان الدّرس التّداوليّ، فهو مفهوم أساسي في البحوث التداوليّة الغربيّة الحديثة التي أولت اهتماماً واضحاً له، بعد أن أرسى دعائمه بول غرايس، وهو يبرز من حين لأخر أثناء الخطاب ؛ ليس من حيث كونه مفهوما , وإنَّما بوصفه شكلا دلاليا ؛ لذا طُرحت مجموعة من الاقتراحات لوصفه واستقصائه ومنها الأغراض التي تؤديها الأساليب , ودلالة المفهوم , والمعنى المقامي, والمعنى الفرعي .
وقد جاء اختيار هذا الموضوع بعد أن اقترحه أستاذي ومشرفي (أ . د. مؤيد مهدي فيصل) , فكان تحت عنوان (الاستلزام الحواريّ في رسائل الإمام علي ووصاياه في كتاب نهج البلاغة) ، إذ يقدم الاستلزام الحواري كثيراً من التفسيرات الواضحة لرسائل الإمام علي عليه السّلام، ووصاياه في نهجه ، لأنه جزء أساسي من أجزاء الرسالة التّبليغية الساعي لتحقيق هدف سامٍ، وترسيخ قيم رفيعة تجلي المعنى المتضمن الذي يحمله النسق العمودي المستنبط من المعنى الصريح الأفقي، فرسائل الإمام عليّ عليه السلام ووصاياه تستميل المخاطَب، وتحثه على تمثل القيم الإيجابية، والنّأي عن القيم السّلبية، وبما أن الاستلزام الحواري أساسه خلق ميدان تعاوني بين عناصر العملية الحوارية الخطابية، فهو يجعل المتلقي أمام محاور توجيهية تهتم بطريقة القول وكيفيته، أو مناسبته لمقامه، أو أي جانب من جوانب إرساء التعاون في تحقيق الهدف الإبلاغي، وفق تمثل الاستلزام الحواري بقواعده الأربعة، أو خرق ما بني عليه هذا الاستلزام من مبادئ نحو مبدأ الكميّة أو المناسبة أو الكيفية.
وقد تناولت الشواهد التطبيقية بالاعتماد على كتاب (نهج البلاغة) للشريف الرضي بتحقيق : صبحي الصالح ؛ لكونها نسخة جديدة ومنقحة ، وحسب رأي أستاذي المشرف المحترم.
اعتمدت الدراسة هنا على (المنهج الوصفي التحليلي) , بالاستعانة بكثير من المصادر التي تلامس الموضوع وتكون محور اهتمامه .
بُنيت الدراسة على ثلاثة فصول , يسبقها تمهيد عام للموضوع , وتعقبها خاتمة أوجزت فيها النتائج التي توصل إليها البحث , ثم قائمة المصادر والمراجع التي ساعدتنا في الدراسة والتحليل .
تناول التمهيد أوَّلًا : التداولية المفهوم والنشأة والأسباب ، وثانيًا: مفهوم الاستلزام الحواري وأنواعه وخصائصه وطبيعته . وثالثًا: مبادئ الاستلزام الحواريّ وعلاقته بالنص الأدبي . ورابعًا : مفهوم الرسالة . وخامسًا: مفهوم الوصية .
أمَّا الفصل الأوَّل فجاء بعنوان (مبدأ الكم وخروقاته) , وقسم على مبحثين , فكان المبحث الأوَّل بعنوان (مبدأ الكم) , أمَّا المبحث الثاني فجاء بعنوان (خروقات مبدأ الكم) ، كون الخروقات ؛ تمثل الميدان الأوسع للباحث للكشف عن مزايا الإبداع في النصوص الأدبية التي تبعدها عن التقريرية ، وابتعاد المؤلف عن نمط المألوف إمكانية الباحث في استخراجها وإمكانية المتلقي في فهمها.
أمَّا الفصل الثاني فكان بعنوان (مبدأ الكيف وخروقاته) , فقسم على مبحثين, المبحث الأول بعنوان (مبدأ الكيف) , والمبحث الثاني بعنوان (خروقات مبدأ الكيف).
أمَّا الفصل الثالث فجاء بعنوان (مبدأ المناسبة أو الملاءمة وخروقاته), وقسم على مبحثين , كان المبحث الأوَّل بعنوان (مبدأ المناسبة) , والمبحث الثاني بعنوان (خروقات مبدأ الطريقة أو المناسبة).
لنختم تلك الفصول بخاتمة متضمنة أهم النتائج التي توصل إليها البحث , فضلًا عن قائمة المصادر والمراجع التي هي خير عون للباحث, ومن الجدير بالذكر أني سأعتمد على ثلاثة مبادئ وهي (الكم والكيف والطريقة أو المناسبة) لكثرة أمثلتها في الدراسة , ولم تتناول الدراسة المبدأ الرابع (مبدأ النوع) وذلك لقلة ما وجدنا من شواهد تطبيقية .
ومن الصعوبات التي واجهت البحث أنّ هذه الدراسة تعدُّ من الدراسات الحديثة, ولعل هذا من أصعب ما واجهته الدراسة . ومن الدراسات القريبة من دراستي (الاستلزام الحواريّ في خطب نهج البلاغة الطوال دراسة تداولية) لعلي عباس فاضل محمد الربيعي , والتي تختلف عن هذه الرسالة من ناحية موضوع الدراسة والمنهجية المعتمدة .