الصراع على النفوذ بين العرب والموالي في الخلافة العباسية (132 - 247هـ)
No Thumbnail Available
Date
2024-10-04
Authors
Journal Title
Journal ISSN
Volume Title
Publisher
Abstract
انتشر الإسلام في شبه الجزيرة العربية وخارجها، بعد وقت ليس بطويل من إعلان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن رسالته السماوية، فبدأت وفود القبائل العربية تأتيه من كل حدب وصوب معلنة إسلامها، وعلى الرغم من ارتداد بعض من هذه القبائل عن الإسلام بعد انتقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى بارئه، إلا أن معظمها عادت وانضمت إلى الإسلام، وأسهمت في نشره شرقاً وغرباً، فتمكنوا من نشره في المناطق التي فتحوها وساعدهم في ذلك آيات من القرآن وبعض من الأحاديث النبوية التي قدمت رؤية متسامحة مع جميع الأعراق والاجناس، ومنها الحديث المشهور: "لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى، الناس من آدم ، وآدم من تراب" . وكذلك وفق الآية الكريمة: ((إن أكرمكم عند الله أتقاكم)) ، فالرسول أدرك ومنذ اللحظة الأولى أهمية الموالي ودورهم في دعمه، فأحسن معاملتهم وقربهم منه، وساوهم بالعرب، وبتعامله الحسن هذا دفع الكثير منهم إلى الإخلاص له من خلال ما قدموه من خدمات جليلة للرسالة السماوية، ومن هؤلاء بلال الحبشي، وسلمان الفارسي.
ولكن بعد كثرة الفتوحات التي قامت على أكتاف العرب في العصر الراشدي والأموي والتي تمكنوا من خلالها فتح خراسان ووصلوا في فتوحاتهم إلى الهند والصين في الشرق، وصلوا إلى الأندلس في الغرب، فكان من الطبيعي أن يُقَدم العنصر العربي المنتصر في هذه الحروب التوسعية، كونه العنصر السائد في العصر الأموي، أكثر من باقي العناصر التي أصبحت مكوناً من مكونات المجتمع العربي الإسلامي بعد فتح بلدانهم، ودخلوهم في الإسلام حديثاً، وهذا ما رفضته تلك الشعوب التي غُلبت وقُوضت دولهم، كونهم خبروا الحضارة والنظام والإدارة وتمرسوا في كل شيء، فبدأوا يطالبون بحقوقهم كعنصر مهم من العناصر المكونة للمجتمع الإسلامي الأمر الذي رفضه الخلفاء الأمويون في كثير من الأحيان، مما ولد لدى هؤلاء حقد قادهم إلى معارضة الحكم الأموي، والانضواء تحت راية الثورة العباسية، وقد أدت تلك العناصر دوراً مهماً في إيصال العباسيين إلى الخلافة، فكان هؤلاء قادة دعوة العباسيين، ومن ثم وزرائهم، وكان لهم العامل الرئيس في توطيد الحكم العباسي الجديد، وكان لموقفهم هذا الدور الكبير في تغيير مجرى حياتهم ودينهم.
مثلت الدولة العباسية من حيث تأسيسها وطبيعتها، نقلة نوعية للعناصر العجمية في الجوانب كافةً (السياسية والاقتصادية والإدارية والثقافية والفكرية والاجتماعية)، وذلك إذا ما تمت مقارنتها مع الخلافة الأموية التي نظرت إلى العناصر العجمية على أنها أداة سخرت لخدمتهم. وعملت الظروف السياسية والعسكرية والاقتصادية التي شهدها العصر العباسي إلى تغيير في النموذج الإسلامي الذي كان سائداً في العصر الأموي والذي كان التركيز فيه قائم على العنصر العربي مع إعطاء مساحة للموالي ولكن ضيقة جداً إذا ما قورنت بالحقوق التي حصلوا عليها في العصر العباسي، حيث وجد فيه بعض من التكاتف وفيض من العدالة الاجتماعية فأصبحوا في مواجهة العرب يتصارعون لإثبات النفوذ إما سلمياً أو عسكرياً.
امتاز الموالي بتعدد الأعراق التي ينتسبون لها، فكان منهم الفرس والأتراك والأكراد والروم والأرمن والأمازيغ، وجميعهم دخلوا الإسلام ، واستطاعوا أن يستفادوا من التسامح الذي منحه لهم العباسيون، وأن يصبحوا عنصراً فعالاً في المجتمع، ويسهموا في رسم تاريخ الدولة العباسية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وفكرياً، وأسس بعض منهم أسراً حاكمة، فكانت بمثابة دولة ضمن دولة تتبع الخلفاء العباسيين أسمياً لكنهم يسوسون العالم الإسلامي من قصورهم، فوجد عند أبوابها من الناس أكثر مما وجد عند أبواب الخلفاء وكان لهم عدد لا يحصى من الأتباع والمؤيدين ، ومن تلك الأسر البرامكة، وآل السهل، والطاهريين (سيتم الحديث عنهم لاحقاً).
ونتيجة لذلك حدث نوع من التجاذب بين العرب والموالي إما كان ظاهرياً أو كان مبطناً، فبدا ظاهراً من خلال الصراع بين الأمين والمأمون (195-198ه/811-813م)، فواحد أمه عربية والآخر أمه فارسية ، وإما باطناً وجد في مؤلفاتهم الفقهية والحديثية التي وضعها فقهائهم ورواتهم، محاولين من وراء ذلك إحياء التراث الفارسي، والتركيز على القومية الفارسية في أغلب مؤلفاتهم التاريخية والأدبية والشعرية، ناهيك عن تأليفهم لمؤلفات أبرزوا فيها مثالب العرب وفضائل الفرس. وهذا ما دفع الكثير من العرب إلى التصدي لهم والمحاولة إلى إعادة أمجاد العرب سياسياً، والتركيز على العروبة والإسلام، والرد عليهم سواء من الناحية الفقهية أو التاريخية أو من ناحية الأدب واللغة والشعر. وبالتالي أصبح الموالي في العصر العباسي يشكلون حزباً مستقلاً موازيا للحزب العربي، يتنافسون فيما بينهم على المناصب كالوزارة، ويتنافسون على قيادة الجيش وإمامة الصلاة ومنصب القضاء. وبلغ التنافس فيما بينهم إن ظهر ما يسمى بالشعوبية التي هدفت إلى إحياء التراث الفارسي والديانة الفارسية، فتصدى لهم العرب بإحياء سنن الإسلام الحق والدفاع عنه لمواجهة الحركات الهادفة لإحياء الفكر العجمي.