تَوظيف الرَّمز في القصةِ العراقيةِ الحَديثة/علي السباعي إنموذجاً
No Thumbnail Available
Files
Date
2021-10-13
Authors
Journal Title
Journal ISSN
Volume Title
Publisher
Abstract
مرَّت القصة العربية القصيرة بمراحل متعددة، إذ لم تكن على نمط تعبيري واحد ، اكتسبت عبرها خصائص التأثير الجمالية، وكان كتَّاب القصة العرب يبحثون دائماً عن التحديث والتجديد، ولم يركنوا للأنماط التعبيرية الجاهزة، إذ دأبوا على أن تكون القصة القصيرة جنساً أدبياً حافلاً بمظاهر الإثارة والجمال، التي بإمكانها جذب انتباه المتلقي ليكون متفاعلاً مع ما يقرؤوه من قصص، لذلك كانت القصة القصيرة حاضرة في مراحل التعبير الفني المتعاقبة، فسجَّلت حضوراً لافتاً في مرحلة جمالية الواقعية التي أسهمت في التعبير عن الواقع الحياتي المعيش جمالياً، ولم تنزلق في تجسيد الواقع كما هو، ممَّا جعل القارئ يستشعر هذا الجمال التعبيري حتى وإن كان الواقع مؤلماً . ثم أخذت القصة القصيرة منحى تعبيرياً جديداً بناءً على ما شهدته الساحة الأدبية في العالم من تطور في الكتابة القصصية، تمثَّل بجمالية التوظيف الرمزي، بحثاً عن وظائف تعبيرية في البنية الفنية القصصية، من أجل إشاعة أجواء ساحرة تزيد من العمق الدلالي للنص القصصي، حيث هو أقدر على إيصال مقاصد القاص إلى المتلقي، بعد أن وجدوا في التراث منجماً مليئاً بالرموز الأسطورية والتاريخية والدينية والأدبية ، فضلاً عن الرموز المستمدة من الواقع، التي تعمل على شحن القصة بالدلالات عبر وعي كتابي يقوم على الانزياح التعبيري، الذي يكسب الفن القصصي رونقاً جمالياً مكتنزاً بعناصر الإيحاء والتشويق . ولم يكتفِ القصاصون العرب بذلك، بل دخلوا في ميدان التجريب في مرحلة شهدت تطوُّراً عالمياً في كتابة القصة القصيرة ، وقاموا بتوظيف تقنيات تعبيرية جديدة في مجال عملهم القصصي لتواكب نمط الحياة المتسارع، سواء أكان ذلك على مستوى الانزياح اللغوي،أم على مستوى التداخل بين الأجناس الأدبية المختلفة، ليكون ممارسة تعبيرية قائمة على الإبداع والجمال عبر تفجير دلالات النص القصصي، والتأكيد على العنوان والألوان والعتبات النصية الأخرى، بما يزيد من مساحة الغنى الدلالي والإيحائي للنص القصصي .
وقد تمثَّل القاص علي السباعي الأبعاد والتحولات الفنية التي شهدتها القصة العربية القصيرة في مراحل تطورها المختلفة، فعاش الواقع وصوَّره بأدواته الجمالية، واستعان بالرمز بما يحمله من طاقات دلالية في مواضع كثيرة ، واقتحم ميدان الحداثة والتجريب، وقد امتزج كل ذلك في مدونته القصصية، سواء أكان ذلك مستوى الحدث أم الشخصيات أم المكان والزمان، وقد انعكس على نتاجه القصصي فجاء مكتنزاً بجوانب دلالية ورؤيوية عميقة عزَّزت الأبعاد الإيحائية والجمالية، الأمر الذي دفعنا إلى دراسة تجليات ذلك في منجزه القصصي . وقد وقع الاختيار على القاص علي السباعي، نظراً لغنى تجربته القصصية وثرائها الفني والمعرفي، فوجدنا فيها توظيفاً فنياً للرمز بوصفه عنصراً أساسياً من عناصر التعبير الجمالي التي تسهم في شحن النص بالطاقة الدلالية، فتجعله قادراً على التأثير في المتلقي، وتمنحه لذة القراءة والتأويل . فجاءت الدراسة تحت عنوان ( توظيف الرمز في القصةِ العراقيةِ الحديثة/ علي السباعي أنموذجاً ) . وممَّا حفَّزني نحو الخوض في هذه الدراسة أنَّني لم أجد دراسة أكاديمية تناولت فاعلية الرمز في قصصه .
وفي سبيل إتمام متطلبات الدراسة في ميدان الكشف عن أثر الرمز في قصص علي السباعي، فقد اعتمدت الدراسة على مجموعة من الكتب التي اهتمت بالقصة القصيرة لا سيما في الجانب الرمزي منها على سبيل المثال ( التجريب في القصة العراقية القصيرة حقبة الستينات، حسين عيال عبد علي )، و( قضايا القصة العراقية المعاصرة دراسات نقدية، عباس عبد جاسم )، و( أنماط الشخصية المؤسطرة في القصة العراقية الحديثة، د0 فرج ياسين) و( الرمز والرمزية في أدب نجيب محفوظ ، سليمان الشّطي )، و( الترميز في الفن القصصي العراقي الحديث 1960 – 1980 دراسة نقدية، د. صالح هويدي ) . فضلاً عن كتب وبحوث منشورة، ورسائل وأطاريح جامعية أخرى، وقد تم ذكرها في قائمة المصادر والمراجع .
أمَّا عن خطة البحث، فقد اقتضت طبيعة الدراسة تقسيمها على تمهيد وثلاثة فصول، تتبعها قائمة بأبرز النتائج التي توصلت إليها الدراسة، وقائمة بالمصادر والمراجع التي أسهمت في إثراء الدراسة علمياً . فحمل التمهيد محاور متعددة، توزعت بين بيان ( الحداثة وتمثلات الرمز في القص )، وإبراز أثر ( التجريب الرمزي في القصة العراقية الحديثة ) ، والوقوف عند دور ( الرمز في القص بين الفائدة والغاية )، فضلاً عن التعريف بحياة القاص علي السباعي ، وذكر أهم آثاره القصصية ، والتطرق لأبرز الدراسات التي تناولت منجزه القصصي بالدراسة والبحث، وإلقاء الضوء على الجوائز التي حصل عليها .
فيما خُصص الفصل الأول لدراسة ( استلهام التراث رمزياً ) في قصصه، وقد ضم ثلاثة مباحث، اهتم المبحث الأول بدراسة ( الرمز التراثي )، وقد كان تجلى بشخصيات ذات أبعاد دينية وتاريخية وأسطورية . فيما جاء المبحث الثاني لدراسة ( الرمز التاريخي )، وقد ركَّز البحث على دراسته سواء ارتبط بالجانب الإيجابي ، أو الجانب السلبي في الشخصيات التي تم توظيفها . وتركَّز البحث في المبحث الثالث على بيان فاعلية ( الرمز المبتكر ) الذي يرتبط كثيراً بتجاربه الشعورية ورؤاه وأفكاره .
أمَّا الفصل الثاني، فقد عالج دلالات ( البعد الرمزي لعناصر القص )، وقد ضم ثلاثة مباحث، جاء المبحث الأول مخصصاً لدراسة ( الشخصية المرمز ) عبر البحث في فاعلية الشخصية المرمزة بتمثلاتها المختلفة ( المثقفة والشعبية والمضطهدة والمتمردة والمتسلطة )، فيما كان الاهتمام منصباً في المبحث الثاني على دراسة (الفضاء بوصفه مناخاً رمزياً )، وقد تم التركيز على دراسة رمزية المكان عبر محوين هما ( الفضاء الجغرافي )، و( الفضاء الرمزي )، فضلاً عن دراسة ( أنواع الفضاء المكاني ) المتمثلة بـ ( الفضاء الأليف )، ( الفضاء المعادي )، و( الفضاءات المغلقة)، و( الفضاء المفتوح )، هذا فضلاً عن دراسة رمزية ( الفضاء النصي ) . وجاء المبحث الثالث لدراسة ( أسطرة الأحداث ورمزيتها ) .
فيما اختص الفصل الثالث بدراسة ( رمزية العتبات النصية )، وقد قُسِّم على ثلاث مباحث ، نهض المبحث الأول بدراسة (رمزية النص الموازي) التي تتجلى في عتبة الغلاف والإهداء واسم المؤلف ودار النشر والاستهلال في مجموعة ( زليخات يوسف) القصصية، ووقع الاختيار على عتبات هذه القصة بالتحديد كونها حبلى بعذابات العراقيين، ومحنهم، أضافة إلى أنَّ الحبوبي فيها شاهد على كل ما يدور من أحداث في شوارع الناصرية . أمَّا المبحث الثاني ، فقد تمَّ تخصيصه لدراسة ( العنوان مشغلاً رمزياً ) ، سواء كان عنواناً رئيسياً أم فرعياً . فأما مهمة البحث في المبحث الثالث تتجسد في دراسة ( الخواتيم وخلاصة القص )، وبيان أبعادها الرمزية ، ودورها في تأكيد دلالات النصوص القصصية , وقد كان المنهج التحليلي الوصفي هو المنهج الذي سارت عليه الدراسة في التعامل مع النصوص القصصية, وفي فصولها المختلفة.
وفي الختام لا يسعني إلا أن أتقدم بوافر الشكر والتقدير للأستاذ المشرف الأستاذ المساعد الدكتور ( مسلم هوني حسين )، لجهوده الكبيرة ومتابعته الحثيثة لما تم دراسته في هذه الرسالة ، فكان معطاءً بعلمه وأخلاقه، إذ أغنى الدراسة بنصائحه وإرشاداته التي أسهمت في إخراج هذا العمل بالمظهر الذي اعتقد أنَّه سينال رضى القارئ ، فجزاه الله عني خير الجزاء .
ومع ذلك فما بذلته من جهد في هذه الدراسة لا أدَّعي فيه الكمال والتمام ؛ لأنَّ عمل الإنسان يبقى متصفاً بالنقص، ويعتريه الخطأ، فإن أجدت في جهدي هذا فلله الفضل والمنة ، وإن أخطأت فحسبي أنِّي بذلت ما بوسعي في سبيل أن يكون هذا العمل بأبهى صورة ، ومن ادَّعى الكمال بدى نقصه والله الموفق .