البنية السردية في كتاب العنوان في الاحتراز من مكائد النسوان لعلي البتوني الابو صبري ت/ 900هـ
No Thumbnail Available
Files
Date
2021-08-02
Authors
Journal Title
Journal ISSN
Volume Title
Publisher
Abstract
إنَّ كتاب (العنوان في الاحتراز من مكائد النسوان) تضمن خزيناً معرفياً وثقافياً واسعاً ، لكنَّه لم يحظَ بعناية الدارسين واهتمام الدراسات النقدية الحديثة .
إنَّ المرأة كانت محور تلك النصوص الواردة في هذا الكتاب, وهذا يدل على أنَّ المرأة شكَّلت حيزاً من تفكير الرجل ومصدر اهتمامه ، كما كان حضورها في تلك النصوص إضمار نسق مضاد تبين به مسكها لزمام النص وقدرتها على تحريك الأحداث ، وكان حضورها يمثل مختلف نواحي الحياة على المستوى الأُسري (الأم ، الزوجة ،الابنة، الأخت ) لكن الكاتب حاول إظهار النماذج السيئة من تلك النساء التي ظهرت في تلك العصور ، وتسليط الضوء على مكائدهن وتحذير الطرف الآخر(الرجل) من خداعهن.
إنَّ ما جاء في الكتاب من نصوص لم يقتصر على المنثور فقط بل اشتمل على المنظوم ولم يكن توظيفه اعتباطياً ، إنَّما حرص على إعطاء نصه النثري الصفة الواقعية عن طريق تضمينه لتلك النصوص الشعرية.
اتَّسمت قصصه الإخبارية بالطول واتفقت في سمة البساطة وعدم التعقيد والتشعب بالأحداث.
وأهم ما يميز تلك النصوص اعتماد الكاتب على الإسناد والإشارة إلى الكتب التي نقل عنها ،ولعل هذا يمثل جزءاً من ثقافة الفرد العربي ولا سيما الشفاهية التي شكَّلت حاضنة رئيسة لتلك الثقافة ، فضلاً تعزيز مصداقية تلك النصوص التي ينقلها.
إنَّ النصوص التي ينقلها لم تكن جميعها صالحة لدراسة البناء السردي ، إذ يفتقد بعضها للمقومات وتقنيات البناء السردي من مكان, وزمان, وشخصية, وحدث.
إنَّ الاسترجاعات الواردة في كتاب العنوان كانت أغلبها على لسان إحدى الشخصيات ويتنحى الراوي جانباً ، وإنْ كانت عفوية في أغلب الأحيان إلَّا أنَّ توظيفها لم يكن اعتباطياً فقد حقَّق كثيراً من المقاصد الجمالية والبنائية .
جاءت الاستباقات في الكتاب على شكل دعاءٍ أو تنبؤٍ أو حلم ، وهي تقف بالموازاة مع الاسترجاعات التي جاءت على شكل إعلان أو تمهيد ممَّا أضفت طابعاً جمالياً على النصوص.
تضمَّنت تلك النصوص جميع أنواع الحذوفات الصريحة المحددة وغير المحددة والضمنية ولكن نجد الحذف الضمني أخذ مساحة واسعة من قصص العنوان ، وهذا متأتٍّ من طول تلك النصوص التي ينقلها فأراد أنْ يبعد السأم والملل عن القارئ ، وزيادة وتيرة الأحداث ليصل الحدث الختامي الذي يبغي الوصول إليه ، فضلاً عن الخلاصة التي كانت غالبة على نصوصه.
شيوع الحوار الخارجي في نصوص العنوان ، ومعظم تلك النصوص تأسست على وفق البنية الحوارية فكان المؤلف يحاول دفع الملل عن القارئ ، فضلاً عن كون توظيف الحوار يكشف عن قدرة المرأة في التأثير على الرجل بوساطة الحوار الخارجي المنطوق وممارسة ضغوطها عليه عبر عذوبة الكلام.
الوصف الذي جاء به المؤلف كان واضحاً جلياً على مستوى النص وقد غلَّبَ وصف الشخصيات على وصف الأماكن والأشياء، وهذا يدل على أنَّ الكاتب كان مركِّزاً على وصف تلك الشخصيات وما في داخلها من دهاء وكيد .
أمَّا الأماكن فعلى الرغم من أهمية المكان في النصوص السردية إلَّا أنَّ ما يحتله من مساحة في كتاب العنوان موازنة بالتقنيات الأخر قليل جداً ، فيرد ذكر المكان في النص على شكل إشارات يسيرة ، ووصف مختصر ، فالمكان عنده ينقسم على أليف ومعادٍ من حيث تأثير الشخصية, فكان حضور المكان في نصوصه مرتبطاً بالشخصيات ، كما نلحظ كثرة التحولات في بنية المكان من أليف إلى معادٍ ومن واقعي إلى عجائبي والعكس.
حظيت الشخصية في نصوص الأبوصيري باهتمام كبير ، فتنوَّعت شخصياته بين شخصيات رئيسة شكَّلت محور تلك القصص ، وشخصيات ثانوية ذات طابع تكميلي, وقد وردت هذه الشخصيات على أنماط متعددة منها مرجعية وتخيلية وتأريخية, وكانت الشخصيات المرجعية هي الغالبة التي أضفت سمة الواقعية على تلك النصوص .
أمَّا على مستوى الأحداث فكان الأبوصيري يميل إلى التسلسل المنطقي للأحداث فأغلب أحداثه جاءت على وفق النسق المتتابع ، لكن هذا لا يعني خلو تلك النصوص من باقي الأنساق, فكان يلي النسق المتتابع نسق التضمين ، فيعمد الراوي إلى تضمين حكاياته حكايات أخر ليولِّد حكاية جديدة ، أمَّا النسق الدائري فكان الأقل وروداً .
لحظنا شيوع السرد المتكرر ، وذلك يسرد ما وقع لمرة في مرات عدة وروايات عدة فيكون تكرار تلك الرواية باختلاف يسير بالصياغة اللفظية وذلك ليؤكد صحة ما ينقل.
الراوي في العنوان شخصية محورية سواء كان راوياً خارجياً غريباً عن حكايته ، أو راوياً داخلياً متضمناً في حكايته ، فكان يدور دفة النص السردي فيكتفي تارة بوصف خارجي للأحداث، ويكون جزءاً من النص ومحركاً أساساً له تارة أخرى، أمَّا الوظائف التي يؤديها الراوي في تلك النصوص فقد اشتملت على أغلب الوظائف ، منها سردية ، وتنسيقية ، و وصفية ، وإبلاغية وتنبيهية ، وتعليقية ، وتوثيقية .
أمَّا المروي له فشكَّل حضوراً عند الأبوصيري, فكان يمثّل حلقة الوصل بين الراوي والقارئ, وكانت غلبة المروي له غير الظاهري على نصوص الأبوصيري أكبر, وذلك يجعل القارئ مشاركاً في إنتاج النص ويعطي للقص الآنية في الحضور ، ويكون الخطاب موجهاً للعامة دون الخاصة ، ولمختلف الأجيال على مختلف العصور.
وختاماً يمكن القول إنَّ نصوص الأبوصيري امتازت بخاصية جوهرية تمثَّلت بحمل تلك النصوص للمعلومات الثقافية في شتى المجالات الدينية, والاجتماعية, والسياسية, والتاريخية ، إذ يعدُّ من الكتب التي تهتم بدراسة المرأة والمجتمع ، كما حاول الكاتب تمرير أفكاره عن طريق تلك القصص وتحقيق اللذة للمتلقي ، ففي ظاهرها لذة ومتعة وفي جوهرها معرفة وعبرة.